الياس شوفاني

185

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

القرنين العاشر والحادي عشر ، برز فيهم بنو الجراح في محيط الرملة بفلسطين ، الذين حاولوا - أسوة بغيرهم من قبائل الشام في مرحلة تراجع الخلافة العباسية - استغلال الفرصة ، والإفادة - ماديا وسياسيا - من حالة الفوضى السائدة ، شأنهم في ذلك شأن القبائل العربية الأخرى ، فلم ينظروا بعين الرضا إلى الحكم الفاطمي الذي يهدد مصالحهم ، وظلوا يناوئونه . وقد برز بنو الجراح في جنوب بلاد الشام غداة أفول نجم الحمدانيين في شمالها ، بعد موت سيف الدولة ( 967 م ) . وكان العباسيون قد أهملوا بلاد الشام وعربها ، واعتمدوا بداية على الفرس ، ثم على الترك . أمّا الفاطميون ، فقد رأوا فيها جسرا للوصول إلى بغداد في البداية ، وعندما تخلوا عن فكرة دخولها عنوة ، صارت بلاد الشام خط الدفاع عن مصر ، الأمر الذي لم يرق لسكانها . وفي غياب سلطة مركزية موحدة في بلاد الشام ، تناحرت القبائل ، متعللة بذرائع متعددة على اقتسام الأراضي والموارد . وأدّت القوى المجاورة - الخلافة العباسية في بغداد والفاطمية في مصر والإمبراطورية البيزنطية - دورا في إذكاء الصراع بين القوى الصغيرة المحلية . ثم ما لبث القرامطة أن دخلوا بقوة على خط التكتلات المحلية والصراعات الإقليمية . فكانت النتيجة تدهور حالة البلاد الاقتصادية والاجتماعية . وعلاقات بني الجراح بالفاطميين تقلبت بين التحالف معهم والتمرد عليهم . وكان الحمدانيون قد سبقوهم إلى إقامة إمارة مستقلة شمالي سورية والعراق . أمّا بنو الجراح ، فلأسباب ذاتية - التركيبة القبلية - وأخرى موضوعية - الانتشار في فلسطين - لم يستطيعوا بلوغ شأن الحمدانيين ، على الرغم من أن الفاطميين اعترفوا بزعامتهم المحلية . ويبدو أن بني الجراح أدّوا دورا محليا في أيام الطولونيين والإخشيديين ، كافأهم عليه ولاة مصر . وعندما ضعفت هاتان السلالتان ، عزز بنو الجراح موقعهم ونفوذهم في فلسطين . أمّا الفاطميون ، فقد سعوا لتحجيم هذا الدور بالقوة . وبناء عليه ، انتهز بنو الجراح كل فرصة مواتية للتمرد ، واستعادة دورهم ، كلما حجب عنهم الفاطميون الولاية ، وحرموهم من منافعها ، ولكنهم دخلوا في خدمتهم وتحالفوا معهم عندما أغدق الفاطميون العطاء عليهم . وفي الفترة ما بين سنة 970 م إلى سنة 1042 م ، أدّى بنو الجراح دورا مركزيا في تاريخ بلاد الشام . وبداية انضم مفرج بن دغفل بن الجراح إلى الحسن الأعصم القرمطي ( 970 م ) لقتال جيش الفاطميين وإلحاق الهزيمة به . وتولى مفرج بعد ذلك إمارة الرملة . ومرة أخرى يرد ذكر حسان بن الجراح في تحالف مع الأعصم سنة 974 م ، في زحفه على مصر للمرة الثانية . ولكن المعزّ أغرى حسان بالمال ، فتخلى